الثعالبي
145
جواهر الحسان في تفسير القرآن ( تفسير الثعالبي )
وقوله سبحانه : ( ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم . . . ) الآية : معنى هذه الآية إخبار من الله سبحانه ، إذا أنعم على قوم نعمة ، فإنه بلطفه ورحمته لا يبدأ بتغييرها وتنكيدها ، وكان حتى يجيء ذلك منهم ، بأن يغيروا حالهم التي تراد ، أو تحسن منهم ، فإذا فعلوا ذلك ، غير الله نعمته عندهم بنقمته منهم ، ومثال هذه نعمة الله على قريش بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم ، فكفروا به ، فغير الله تلك النعمة ، بأن نقلها إلى غيرهم من الأنصار ، وأحل بهم عقوبته . وقوله تعالى : ( كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كذبوا بآيات / ربهم فأهلكناهم بذنوبهم ) ، هذا التكرير هو لمعنى ليس للأول ، إذ الأول دأب في أن هلكوا ، لما كفروا ، وهذا الثاني دأب في أنه لم يغير نعمتهم ، حتى غيروا ما بأنفسهم ، والإشارة بقوله : ( والذين من قبلهم ) ، إلى قوم شعيب وصالح وهود ونوح وغيرهم . وقوله سبحانه : ( إن شر الدواب عند الله الذين كفروا فهم لا يؤمنون * الذين عاهدت منهم ثم ينقضون عهدهم في كل مرة وهم لا يتقون ) ، أجمع المتأولون ، أن الآية نزلت في بني قريظة ، وهي بعد تعم كل من اتصف بهذه الصفة إلى يوم القيامة ، وقوله : ( في كل مرة ) : يقتضي أن الغدر قد تكرر منهم . وحديث قريظة هو أنهم عاهدوا النبي صلى الله عليه وسلم ، على ألا يحاربوه ، ولا يعينوا عليه عدوا من غيرهم ، فلما اجتمعت الأحزاب على النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة ، غلب على ظن بني قريظة ، أن النبي صلى الله عليه وسلم مغلوب ومستأصل ، وخدع حيي بن أخطب النضري كعب بن أسد القرظي صاحب عقد بني قريظة ، وعهدهم ، فغدروا ووالوا قريشا ، وأمدوهم بالسلاح والأدراع ، فلما انجلت تلك الحال عن النبي صلى الله عليه وسلم ، أمره الله تعالى بالخروج إليهم وحربهم ، فاستنزلوا ، وضربت أعناقهم بحكم سعد ، واستيعاب قصتهم في " السير " وإنما اقتضبت منها ما يخص تفسير الآية . وقوله سبحانه : ( فإما تثقفنهم في الحرب . . . ) الآية : معنى ( تثقفنهم ) تأسرهم ، وتحصلهم في ثقافك ، أو تلقاهم بحال تقدر عليهم فيها ، وتغلبهم ، ومعنى : ( فشرد ) أي :